السيد كمال الحيدري
282
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
هذه القاعدة هي التي تفسّر الأسباب التي دفعت الاتجاهات الثنوية للقول بمبدأين ، وأنّ للخيرات مبدأً وخالقاً وفاعلًا ، وللشرور مبدأً وخالقاً وفاعلًا آخر . هكذا الحال بالنسبة إلى الشرور ، فلو ثبت أنّ الشرور أمور وجودية في نفسها لاحتاجت إلى مبدأ غير مبدأ الخيرات وخالقها . أمّا لو ثبت أنّها أمور عدمية فإنّها لا تحتاج إلى مبدأ مستقلّ وراء خالق الخيرات . وهذه هي فلسفة السؤال ، والمغزى الذي يكمن من وراء هذه المقدّمة التي تمهّد للإجابة المطلوبة . ما يذهب إليه حكماء المسلمين وفلاسفتهم ومتكلِّموهم أنّ كلّ ما يصدق عليه أنّه شرّ فهو أمر مرجعه إلى العدم . يقول المحقّق الطوسي ( ت : 672 ه ) في المسألة السابعة من الفصل الأوّل من المقصد الأوّل من « تجريد الاعتقاد » : « إنّ الوجود خير والعدم شرّ » . ثمّ يأتي العلّامة الحلّى ( ت : 762 ه ) لتوضيح النصّ بقوله : « إنّا إذا تأمّلنا في كلّ ما يقال له خير وجدناه وجوداً ، وإذا تأمّلنا في كلّ ما يقال له شرّ وجدناه عدماً » « 1 » . قد يجرّ هذا النمط من التنظير إلى التباس يوهم بالعدم المطلق ، فربما أوحى القول إنّ مرجع الشرّ إلى أمر عدمىّ أنّ المراد هو العدم المطلق في مقابل الوجود المطلق . في حين إنّه ليس المقصود من العدم هنا ما يناقض الوجود ، وإنّما المراد منه عدم المَلَكة أو العدم المضاف . فهو من قبيل العمى بالنسبة إلى البصر ، فمع أنّ العمى عدم لكنّه عدم مَلَكة ، أي عدم كمال لما من شأنه أن يتّصف بذلك الكمال . على هذا لا يقال للجدار إنّه أعمى لأنّه ليس من شأنه أن يكون له كمال البصر حتّى إذا فقد هذا الكمال وصف بالعمى . أجل يصحّ ذلك على الإنسان ، فهو الذي يتّصف بالعمى ؛ لما له من قابلية واستعداد كمالىّ للبصر ، فإذا ما فقد
--> ( 1 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّى ، منشورات مصطفوي ، قم ، ص 12 .